حلال على داروين...حرام على "خوتنا لمسلمين"

Publié le par Amine

 

Sans-titre.jpg

من ضعف الإنسان، حكمه على الأشياء بما التصق بها من سمعة، و تأثره البالغ بما يساق حوله من آراء عن تلك الأشياء. و لا تكاد تجد شخصا يتجرد من كل هذه المؤثرات الأولية، و يُحكِم عقله في صياغة رأيه، بالاعتماد على المعطيات المجردة الصحيحة.

يبقى موضوع الإسلام، و التدين، و ما يدور في فلكهما من مفاهيم من أكثر المواضيع إثارة للنقاش، و عرضة للأحكام المسبقة، التي تبنى على كل شيء إلا العلم.

موضوع "اللحية" من المسائل الحساسة، التي تثير حزازات...أفعالا و ردود أفعال، ثارة مسكوت عنها و ثارة في العلن. وهي لا تسلم بدورها من الأحكام الجاهزة...

من عامة المسلمين أنفسهم من يعتبرها علامة تطرف و غلو، و منهم من يعتبرها مخ الدين و عماده، و بين هاتين الفئتين، قليل منهم من يضعها موضعها الحق.

إذا نحن وضعنا موضوع اللحية في سياقه التاريخي المعاصر، نجد أنها مرت بمراحل مختلفة، أخذت خلالها من الأحكام ما جرى عليه العصر آنذاك، فتصير تحضرا إذا أعفاها "المتحضرون"، و تخلفا إذا اتخذها من يوسم بالتخلف.

بالرجوع إلى القرن الثامن عشر و التاسع عشر، كانت اللحية مرادف العلم،...لويس باستور، فرويد، ألفرد نوبل، شارل دروين...كل هؤلاء الذين تركوا بصماتهم في المجالات العلمية، جعلوا من لحاهم وشاحا يُستحق ارتداؤه.

ثم كانت فترة الستينات و السبعينيات إبان نشوء حركات "الهيبي"، التي وجدت بدءا كتجمعات شبابية مناهضة للحروب، و خاصة حرب الولايات المتحدة على الفييتنام لتصير نسقا للعيش و "ستايل"...في هذه الفترة، كانت اللحية موضة، بل و كلما زادت تبعثرا و سوء مظهر، كلما كان ذلك أقرب لموضة العصر.

أما "صحاب اللحايا" في أيامنا هاته، فهم على الأرجح عند جمهور الناس، رجعيون، متطرفون، أبعد ما يكونون على الذوق العام و الجمال، الذي بات يقتضي أن يلمع الذقن بفضل الحلاقة عن قرب التي توفرها أنظمة الشفرة الثنائية، الثلاثية و حتى الرباعية.

إن بعضا من إخواننا الذين اتخذوا اللحية خيارا، لا يمثلون بأي شكل من الأشكال الإسلام في أصح صوره، و كثيرا ما يفتنون الناس في دينهم بضربهم عرض الحائط أصوله و مقاصده. فالذي يكذب، أو يخون الأمانة، أو يحتقر الناس، أو يفجر إن خاصم...ما نفعه ما اتخذ من شعر على ذقنه ؟؟ لكن و بمقابل هذا لا يجب أن يسوغ هذا التناقض لأناس آخرين إلصاق العيب بالدين و بما جاء به...و من الخطأ أن يجرمنهم شنآن قوم على ألا يعدلوا...و من الحيف أن يجعل الحكم الخاص ساريا على كل من بدت على وجهه علامة التدين.

حري بالمسلم أن يتخذ على غرار هذا الموضوع، بوصلة السداد في الحكم على الأشياء...فاللحية سنة كريمة مهما انحرف مطلقوها...و كل من اتخذها لا يجسد الإسلام الصحيح بالضرورة، و إن زل فالعيب فيه لا في الإسلام...أما الجمال، فنسبي باتفاق كل العقلاء، أم أن اللحية حلال في حق داروين، و حرام على "خوتنا لمسلمين" ؟  

Publicité

Publié dans point de vue

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article